سيد محمد طنطاوي

367

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وسمى اللَّه - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لشدة إخلاصهم له ، وطهارة قلوبهم من الغش والنفاق ، فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص . والأنصار : جمع نصير ، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا . والمراد بنصر اللَّه - تعالى - : نصر دينه وشريعته ونبيه الذي أرسله بالهدى ، ودين الحق . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : كونوا أنصارا للَّه . والمعنى : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن تكونوا أنصارا لدين اللَّه في كل حال ، كما كان الحواريون كذلك ، عندما دعاهم عيسى - عليه السلام - إلى نصرته والوقوف إلى جانبه . فالكلام محمول على المعنى ، والمقصود منه حض المؤمنين على طاعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وعلى الاستجابة التامة لما يدعوهم إليه ، كما فعل الحواريون مع عيسى ، حيث ثبتوا على دينهم ، وصدقوا مع نبيهم ، دون أن تنال منهم الفتن أو المصائب . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه صحة التشبيه - وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى لهم * ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ) * . قلت التشبيه محمول على المعنى ، وعليه يصح ، والمراد كونوا أنصار اللَّه ، كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال لهم : من أنصارى إلى اللَّه . فإن قلت : فما معنى قوله : * ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ) * ؟ قلت : يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين : * ( نَحْنُ أَنْصارُ اللَّه ) * والذي يطابقه أن يكون المعنى : من جندي متوجها إلى نصرة دين اللَّه « 1 » . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ) * للحض على نصرته والوقوف إلى جانبه . وأضافهم - عليه السلام - إليه ، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه . وقوله : * ( إِلَى اللَّه ) * متعلق بأنصارى ، ومعنى « إلى » الانتهاء المجازى . أي : قال عيسى للحواريين على سبيل الامتحان لقوة إيمانهم : من الجند المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد اللَّه - تعالى - في نصرة دينه ، وفي التوجه إليه بالعبادة والطاعة وتبليغ رسالته . . . ؟

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 528 .